الغزالي
89
إحياء علوم الدين
يعدو خلف الحمل ، فقيل له إلى أين ؟ فقال آكل مع الصبيان . فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم ، فإنهم يستحيون . بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا . كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ، ويتركهم يستوفون . فإذا قاربوا الفراغ ، جثا على ركبتيه ، ومد يده إلى الطعام وأكل ، وقال ، بسم الله ، ساعدونى بارك الله فيكم وعليكم وكان السلف يستحسنون ذلك منه الخامس : أن يقدم من الطعام قدر الكفاية . فان التقليل عن الكفاية نقص في المروءة ، والزيادة عليه تصنع ومراءاة ، لا سيما إذا كانت نفسه لا تسمح بان يأكلوا الكل ، إلا أن يقدم الكثير ، وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن يتبرك بفضلة طعامهم . إذ في الحديث : لا يحاسب عليه . أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاما كثيرا على مائدته ، فقال سفيان ، يا أبا إسحاق ، أما تخاف أن يكون هذا سرفا ؟ فقال إبراهيم ، ليس في الطعام سرف . فإن لم تكن هذه النية ، فالتكثير تكلف . قال ابن مسعود رضي الله عنه : نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه . وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة . ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فضلة طعام قط ، لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ، ولا يأكلون تمام الشبع وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت ، حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه ، فلعله لا يرجع ، فتضيق صدورهم ، وتنطلق في الضيفان ألسنتهم . ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم . وذلك خيانة في حقهم وما بقي من الأطعمة ، فليس للضيفان أخذه . وهو الذي تسميه الصوفية الزلة . إلا إذا صرح صاحب الطعام ، بالإذن فيه عن قلب راض ، أو علم ذلك بقرينة حاله ، وانه يفرح به فإن كان يظن كراهيته ، فلا ينبغي أن يؤخذ . وإذا علم رضاه ، فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء . فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه ، أو ما يرضى به رفيقه عن طوع ، لا عن حياء